ASCJTISSEM38 جمعية اطارات الشباب البيداغوجية
اهــــــــلا ومرحبا بكم ...

الرقابة الذاتية .والرقابة الإدارية

اذهب الى الأسفل

الرقابة الذاتية .والرقابة الإدارية Empty الرقابة الذاتية .والرقابة الإدارية

مُساهمة  Admin في الأربعاء يناير 30, 2013 5:37 pm

الرقابة الإدارية..

الرقابة الذاتية
من أسس الإيمان لدى كل مسلم أن يعلم كل مسلم أن الله تعالى معه ويعلم تفاصيل ما يقوم به، قال تعالى:" ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" (ق :18). وقال تعالى:" إن الله كان عليكم رقيبا" (النساء:1)، وفي حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعا:" لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه" . ولو استشعر كل مسلم هذا الحديث لصلح حاله، ومن ثم ارتقى المجتمع الإسلامي إلى ما نطمح إليه من تطور ورقي بين أمم الأرض.
ومن أعظم ما يقي من الفساد السعي لمرتبة الإحسان التي حدد النبي صلى الله عليه وسلم معالمها في حديث جبريل والذي فيه: قال جبريل: ما الإحسان؟ فقال صلى الله عليه وسلم:" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" .

مسؤولية العامل وصاحب المنصب:
وكثير من الناس يحب أن يكون من أهل المناصب والمسؤولية لأنه ينظر إلى ما يحصله صاحب المنصب من شهرة ومكانة ولكنه ينسى أن المنصب تكليف لا تشريف، وأنه مسئول أمام الله تعالى في عمله، فقد روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية عن بيت بعلها وولدها وهي مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" .
ونجد أن الشارع قد نمى الرقابة الذاتية بذكر ما للعدل من ثواب، وما للجور من عقاب. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عظم جزاء العادل عند الله فقال:" إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّـوا" ، وفي الحديث الآخر:" ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور" . وفي رواية: ( ما من أمير عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه ) . وقال شيخ الإسلام :" إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ، ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام ...وذلك لأن العدل نظام كل شيء" .
وفي حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب على منكبه ثم قال : أفلحت يا مقدام إن لم تكن أميرا ولا كاتبا ولا عريفا ) . وثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله عليه وسلم : ( إنكم ستحرصون على الأمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة) ، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:" إن شئتم أنبأتكم عن الأمارة، أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل" ، وقال صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه:" يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها" . ويحكي صلى الله عليه وسلم موقفا من مواقف القيامة فيقول:" ليودن رجل أنه خر من الثريا وأنه لم يل من أمر الناس شيئا" ، ولا شك أنه لو قام بالمنصب حق القيام لسعد بعمله.
"والزجر عن طلب الولاية من الأمور التي ينفرد بها الإسلام حيث ندر أن تجد في أدبيات الإدارة العامة مثل هذا الزجر عن الحرص على الوظيفة، ولعل إحدى المشاكل التي تعاني منها الإدارة العامة وجود أشخاص مسئولين ذوي كفاءة متدنية يستميتون في البقاء في المنصب ولا يودون أن يتزحزحوا عنه ولا يسمحون لغيرهم من الأكفاء أن يصلوا إليه، وهذا سر التغليظ في هذا الأمر" .

الوالي أجير:
وقد كان هذا الأمر واضحا عند الرعيل الأول فقد دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فسلم عليه بلفظ:" أيها الأجير" فلما استنكر الجالسون ذلك، قال: إنما أنت أجير، استأجره رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها وداويت مرضاها وحبست أولاها على أخراها، وفَّاك سيدها أجرها،وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها" .

الإخلاص للعمل وبذل الجهد فيه:
ويجب على كل متولٍّ لأمر من أمور المسلمين أن يكون مخلصا لعمله، واستحضاره لهذا الشعور يقوي الرقابة الذاتية في كل وقت. وقد روى مسلم أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه فقال له معقل إني محدثك بحديث لولا أني في الموت لم أحدثك به سمعت رسول الله  يقول ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخرSad ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه رائحة الجنة) . بل إن العامل والموظف إذا نصح في عمله وتفانى في أداء واجباته فقد كسب الخيرية من أزكى البشرية، وما أعظمه من وسام، فقد قال عليه الصلاة والسلام:" خير الكسب كسب العامل إذا نصح" .

الرفق بالموظفين والمراجعين:
ومن أعظم ما يمنع من التعدي والظلم استحضار تلك الدعوة النبوية لمن رفق بمن هم تحت مسؤوليته، فقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالSadاللهم من ولي من أمر أمتي أمرا فرفق بهم فارفق به ومن ولي من أمر أمتي أمرا فشق عليهم فاشقق عليه ) ، وهو عام في كل ولاية . وقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:" فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله.."(آل عمران:159). ومن حمل هذا الشعور فإنه يبعد أن يحصل منه تعدّ على موظف تحت يده أو منعه من حقه، وهذه رقابة إيمانية دائمة وهي أنجح الوسائل الرقابية على الإطلاق.

تقوية الأمانة المالية:
وحيث أن من أهم الأمانات اللازمة في كل من عين في المنصب الإداري؛ الأمانة المالية، ومن أصعب أنواع الرقابة، الرقابة على الاختلاسات المالية اليسيرة، والتعدي على الممتلكات العامة. وهذا من خيانة الأمانة وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }(الأنفال27)، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلولا، ففي صحيح مسلم عن عدي بن عميرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه وسلم قالSad من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان ذلك غلولا يأتي به يوم القيامة ) . وفي الحديث الآخر:" من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" .
وفي المقابل فإن المتصف بالأمانة له أجر عظيم، فقد قال الله تعالى صفات أهل الأيمان:" والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" (المؤمنون:Cool، و قال صلى الله عليه وسلم:" الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه، أحد المتصدقين" . وفي الحديث الآخر:" العامل بالحق على الصدقة كالغازي في سبيل الله عز وجل حتى يرجع إلى بيته" . وهذه حوافز إيمانية تجعل العامل يتفانى في عمله ويجتهد فيه وهو مليء بسعادة غامرة لأنه في عبادة ما دام في عمله، وكل ما يؤديه لبيت المال فكأنه متصدق به.

محاربة التعيين للقرابة، والواسطة:
ومن أكثر أنواع الفساد الإداري انتشارا في البلاد العربية التعيين بالواسطة أو للقرابة. وقد ورد التحذير الشديد من ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله  إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله" .

مكافحة الرشوة

كما أن الرشوة فساد آخر ورد التحذير منه في قوله صلى الله عليه وسلم:" لعن الله الراشي والمرتشي" . ويدخل فيها الهدايا والخدمات التي تقدم للموظفين، لقوله صلى الله عليه وسلم:" هدايا العمل غلول" ، وقد حاسب النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الهدايا ووعظه وحذره، ففي صحيح البخاري عن أبي حميد الساعدي قال استعمل رسول الله  رجلا على صدقات بني سليم يدعى بن اللتبية فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية فقال رسول الله  فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى روي بياض إبطه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني .

التعامل مع الرئيس في العمل:
من الشائع في كثير من المنشآت، التنازع والتخاصم بين الرئيس والمرؤوسين، وقد حسم الشرع هذه القضية بتحتم طاعة الرؤساء بالمعروف، ودليل ذلك ما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ، وهذا في الولاية العامة ويدخل فيها الولاية الخاصة، وروت لنا كتب التراث عن أحد ملوك الفرس الحكماء وهو ابرويز بن هرمز أنه قال: أطع من فوقك يطعك من دونك . ونجد في تراثنا بعض وصايا ذوي التجربة لكيفية التعامل مع السلطان، ولا بأس أن تستخدم في التعامل مع ذوي المناصب العالية ، فمن ما ورد في ذلك :
• قال العباس لابنه عبدالله رضي الله عنهما وقد كان يختص بعمر رضي الله عنه : يا بني إني أرى هذا الرجل يدنيك وإني موصيك بخلال: لا تفشين له سرا ولا تخونن له عهدا ولا تغتابن عنده أحدا ولا تطوين عنه نصيحة .
• وقال أبو الفتح البستي : أجهل الناس من كان على السلطان مدلاًّ وللإخوان مذلاًّ .
• وقال الفضل بن الربيع : مساءلة الملوك عن أحوالهم تحية النوكى .
• وقد بالغ بعضهم فقال: لا تسلم على الملك فإنه إن أجابك شق عليه وإن لم يجبك شق عليك . وهذا مخالف لأدب الإسلام ، ومثل ذلك ما ذكروا من عدم تشميته وألا يعزيه وكل هذا تعظيم مردود .
• وقال ابن عباد :
إذا صحبت الملوك فالبس من التحلي أجل ملبس
وادخل عليهم وأنت أعمى واخرج إذا ما خرجت أخرس

أداء العمل في مساعدة المراجعين قربة جليلة:
كما أننا نجد في الشرع المطهر التأكيد على أن خدمة الناس وقضاء حوائجهم من أشرف القربات، وأجل العبادات، ففي الحديث الشريف:" أحب العباد إلى الله أنفعهم لعياله" . وهذا ما يشعر الموظف بمتعة أثناء تأديته لعمله، مما يؤثر إيجابا في أدائه العام.

مبدأ "استفت قلبك":
ونجد أن الشريعة السمحة قد جعلت للوازع الداخلي للموظف بل وكل مسلم أهمية جليلة في التمييز بين الحسن والقبيح عند الاشتباه، وهو ما يعرف بالضمير. فقد روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" . وفي الحديث الآخر:" استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" ،وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" .

محبة الخير للغير:
ومن صور الرقابة الذاتية في التعامل مع المراجعين أو الموظفين الآخرين المبدأ النبوي العظيم الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم:" أحب للناس ما تحب لنفسك" .

اتجاه الدول الحديثة لتقوية الرقابة الذاتية:
وحيث أن كثيرا من الدول ليس لها معايير أخلاقية سماوية فقد اتجهوا إلى إنشاء ميثاق لأخلاق العمل، وقد أكدت دراسة صادرة عن الأمم المتحدة أن وجود ميثاق لأخلاق العمل يعتبر من الوسائل الوقائية المهمة لمحاربة الفساد في الدول النامية . ويؤكد بعض الباحثين أن ذلك لا يكفي، بل لا بد من غرس القيم الأخلاقية للموظفين وتنمية الرقابية الذاتية من خلال غرس تلك القيم في التعليم العام، ومن خلال التدريب المتواصل .
وقد كثرت الدعوات من قبل المختصين في الإدارة في الدول الغربية إلى استخدام القيم والعادات التي تحث على الالتزام، وهو ما يطبق عليه: أسلوب استخدام القيم في التحكم في السلوك الإنساني (Ethics as Behavior Control)، ويدخل في ذلك مواثيق العمل وأخلاقيات المهنة .
الرقابة الإدارية
لا قيادة ناجحة بلا رقابة فاعلة:
لا يشك أحد أنه لا يمكن لمجتمع صغير أو كبير أن ينجح ويحقق أهدافه بدون قائد، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما:" لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم" وذلك ليكون قوله فاصلا عند النزاع، ولذلك أعطاه الشرع حق الطاعة ولو كانت في أمر تكرهه النفس كما في حديث: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان". بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل جمعا من الصحابة في مهمة وأمَّر عليهم أحدهم فغضب عليهم وأمرهم أن يوقدوا نارا ويقتحموها فهموا بذلك طاعة له ثم قالوا: ما آمنا إلا هروبا من النار فكيف نقتحمها، فلما رجعوا من مهمتهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما الطاعة في المعروف". وقد قال شيخ الإسلام :" فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولي أحدهم كان ذلك تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك" . وقال الأفوه الأودي :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
كالبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
ومن أعظم مهام القائد والرئيس أن تسير الأمور التي تحت ولايته على الشكل المطلوب، ولا يتحقق ذلك إلا بالقيام بالرقابة الدائمة لمن هم تحت يده، ليعرف مواطن الخلل فيصلحها، وما كان من أمور إيجابية فإنه يزيدها ثباتا. وهذه الرقابة صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }الحج41.
ومع ما للرقابة الذاتية من أهمية إلا أن كثيرا من النفوس تحتاج إلى رادع خارجي، وصدق عمر رضي الله عنه في قوله:" لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن" ، أي أن هيبة السلطان والخوف من عقوبته ترتدع أكثر من المواعظ لكثير من الناس لضعف إيمانهم.



الرقابة في العهد النبوي والعهد الراشدي:
وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم الرقابة على عماله، ففي صحيح البخاري عن أبي حميد الساعدي قال استعمل رسول الله  رجلا على صدقات بني سليم يدعى بن اللتبية فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية فقال رسول الله  فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ... .
وكان أبو بكر يمارس الدور الرقابي بنفسه على عماله، فعندما جاءه معاذ بن جبل من اليمن قال له أبو بكر: ارفع لنا حسابك" . وذكر الطبري أنه كان يراقب ولاته مراقبة شديدة، فكان لا يخفى عليه شيء من عملهم" .
وأما عمر فقد طور آلية الرقابة الإدارية، إذ كان مهتما بهذا الأمر أشد الاهتمام، فقد قال يوما لجلسائه:" أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته فعدل، أكنت قضيت ما علي؟ قالوا : نعم، قال: لا حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا" . فاستشعاره للمسؤولية جعله يراها من واجبات الإمام، وليست الرقابة لمرة أو مرات ثم تقف، بل هي رقابة دائمة، حتى لا يقل العمل، أو يحصل تجاوزات فيه.
كما كان يرسل المفتش العام محمد بن مسلمة للرقابة على الولاة وتفحص شكاوى الرعية والتحقق منها وممارسة التحقيق مع الولاة. ومن أشهر ما روي في ذلك تحقيقه في شكوى بعض أهل العراق ضد واليهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكذا تحقيقه في شكوى بعض أهل دمشق ضد واليهم سعيد بن عامر رضي الله عنه .
ومن سياسته لولاته أنه ينظر في مال الوالي قبل الولاية، ويسجله في سجل، ثم ينظر ما زاد بسبب الولاة فيأخذ نصفه لبيت المال ونصفه للوالي ولو كان كسبه للمال بطريق حلال، وسبب ذلك أن الناس يحابون الوالي لأجل ولايته، فجعلهم كأنهم مشاركون لبيت المال، وهذا من فقهه العجيب . وقد اشتهرت طريقته الرقابية، مما جعل الشعراء يذكرون ذلك في شعرهم، ففي الإصابة: قال أبو المختار يزيد بن قيس بن يزيد بن الصعق كلمة رفع فيها على عمال الأهواز وغيرهم إلى عمر بن الخطاب وهي:
أبلغ أمـير الـمـؤمـنـين رسـالة فأنت أمين الله في النهـي والأمـر
وأنت أمين الله فـينـا ومـن يكـن أميناً لرب العرش يسلم له صـدري
فلا تدعن أهل الرساتيق والـقـرى يسيغون مال الله في الأدم الـوفـر
فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابـه وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشـر
ولا تنسين النـافـعـين كـلاهـمـا ولا ابن غلاب من سراة بني نصـر
وما عاصم منها بصـغـر عـنـاية وذاك الذي في السوق مولى بني بدر
وأرسل إلى النعمان فاعرف حسابـه وصهر بني غزوان إني لذو خـبـر
وشبلاً فسله المال وابـن مـحـرش فقد كان في أهل الرساتيق ذا ذكـر
فقاسمهم نفـسـي فـداؤك إنـهـم سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر
ولا تدعوني لـلـشـهـادة إنـنـي أغيب ولكني أرى عجب الـدهـر
نؤوب إذا آبوا ونـغـزو إذا غـزوا فإن لهم وفراً ولسـنـا ذوي وفـر
إذا التاجر الهـنـدي جـاء بـفـأرة من المسك راحت في مفارقهم تجري
ويريد بابن محرش أبا مريم الحنفي وكان على رام هرمز.
قال البلاذري: فقاسم عمر هؤلاء القوم فأخذ شطر أموالهم حتى أخذ نعلاً وترك نعلاً وكان فيهم أبو بكرة فقال: إني لم آل لك شيئاً فقال: أخوك على بيت المال وعشور الأبلة فهو يعطيك المال تتجر به فأخذ منه عشرة آلاف ويقال قاسمه فأخذ شطر ماله.

وكان لعمر رغبة في عمل جولة تفتيشية في جميع البلاد التي تحت سلطته، ففي الكامل أن عمر قال: قال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولاً فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني أما عمالهم فلا يرفعونها إلي، وأما هم فلا يصلون إلي، فأسير إلى الشام فأقيم شهرين، وبالجزيرة شهرين، وبمصر شهرين، وبالبحرين شهرين، وبالكوفة شهرين، وبالبصرة شهرين، والله لنعم الحول هذا .
كما كان عمر رضي الله عنه يراقب سلوك عماله، ويحاسبهم إذا رأى ما يقدح في عدالتهم، فقد بلغه أن أحد عماله يتمثل بأبيات فيها مدح للخمر، فعزله .
وعندما تكلم دعاة الفتنة في ولاة عثمان سعيا للتمرد عليه، اجتمع أصحاب رسول الله  إلى عثمان رضي الله عنه فقالوا يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي آتانا قال لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم قال فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم من الناس إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد غلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالا سواهم فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا أيها الناس والله ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وقالوا جميعا الأمر أمر المسلمين ألا أن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم .
وأما علي فقد كتب للأشتر النخعي حين ولاه على مصر، وأمره بالاهتمام بالرقابة على العمل (الموظفين)، ففي كتابه له:" ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم جدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية" .
وكتب عمر بن عبدالعزيز لعدي بن أرطاة أن ابعث إلي بفضل الأموال التي قبلك من أين دخلت.." .
وهذه نماذج لطريقة مراقبة الأداء الحكومي في تلك العهود الإسلامية الأولى، والتي تعتبر أنموذجا للدولة المسلمة التمسكة بتعاليم دينها.

الصفات اللازمة في من يقوم بالعملية الرقابية:
أولا: كثرة المراقبين وانتشارهم واستعمال عنصر المفاجأة في العملية الرقابية:
حتى تكون الجولات التفتيشية فعالة ومؤتية ثمارها، لا بد من أن تكون على أسس مدروسة. ونجد في وصايا وكتب الخلفاء الراشدين بعض الإشارات إلى مهارات الجولات التفتيشية. فقد كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه في مسيره بالجيش لقتال الروم قال:" وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك،فمن وجدته غفل عن محرسه فأدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار" .

ثانيا: الشجاعة في اتخاذ القرارات:
كما تعتبر الشجاعة عند اتخاذ القرارات من أهم ما يميز المراقب الناجح من غيره، وقد أشار عمر رضي الله عنه إلى هذا فقد أرسل محمد بن مسلمة في مهمة إلى العراق ثم رجع ففني زاده قبل أن يصل إلى المدينة لأنه لم يقبل من أحد زادا، فأخذ يأكل من لحاء الأشجار حتى تغير وجهه وجسمه فلما علم عمر بذلك قال له: " هلا قبلت من سعد- أي ابن أبي وقاص؟ قال: لو أردتَّ ذلك كتبت له به أو أذنت له فيه، فقال عمر:" إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه، عمل بالحزم أو قال به ولم ينكل" ، يشير إلى خطأ أن ينتظر القائم بالأعمال الرقابية التوجيه ممن فوقه في كل الأمور.

ثالثا: عدم الاهتمام بالمخالفات اليسيرة جدا:
وليس من المستحسن ممن يقوم بالعملية الرقابية أن يدقق في الأشياء اليسيرة التي لا يخلو منها بشر، بل عليه أن يتغافل عن بعض الأشياء التي يحسن التغافل عنها، قال بعضهم : أكره المكاره في السيد الغباوة وأحب أن يكون عاقلا متغافلا كما قال ابو تمام:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
وإن كان الكمال في الموظف أن يحافظ على ممتلكات الدولة، ولا يستخدمها لمصلحته الخاصة ولو في الشيء اليسير، وفي قصة حماد بن زيد مثال يبين ضرورة الاهتمام بالأشياء اليسيرة فقد مر حماد بن زيد عندما كان صغيرا هو وأبوه على جدار فيه تبن فأخذ حماد عود تبن، فنهره أبوه وقال: لماذا؟ فقال حماد: يا أبتاه إنه عود تبن، فقال الأب: لو أخذ كل مارٍّ عود تبن هل يبقى في الجدار شيء؟ .
وقد كان عمر بن عبدالعزيز يمارس رقابية مالية دقيقة، وهذا هو سر الرفاه الذي حصل للمسلين في عهده القصير، فقد قال لميمون – وهو معاون له-: ما هذه الطوامير التي تكتب فيها بالقلم الجليل، وتمد فيها وهي من بيت مال المسلمين؟ ( يقصد الصحائف التي يكتب فيها الأوامر والتوجيهات)، فكانت كتبه شبرا أو نحوا من ذلك .
وعندما كتب له أبو بكر بن محمد بن حزم والي المدينة يطلب شمعا للإضاءة، رد عليه فقال:" لعمري لقد عهدتك يا ابن حزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة بغير مصباح، ولعمري لأنت يومئذ خير منك اليوم، ولقد كان في فتائل أهلك ما يغنيك ، والسلام". وكتب إلى ابن حزم مرة :" إذا جاءك كتابي هذا فأرق القلم ، واجمع الخط، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أضر ببيت مالهم، والسلام عليك" .
وأرى أنه يجب على من يقوم بالعملية الرقابية أن يقدر الأشياء التي يتغاضى عنها، والمخالفات التي ينبه عليها ، والمخالفات التي يعاقب عليها أو يرفع فيها تقريرا بالمخالفة.

رابعا: السرية طريق النجاح:
كما ينبغي أن تكون بعض العمليات الرقابية سرية، وأن يكون المراقب غاية في الثقة والأمانة والعقل، فقد ورد في الحديث:" استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان" . قال أشهب – وهو من كبار أصحاب مالك بن أنس رحم الله الجميع-: ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس في السر، وليكن ثقة مأمونا عاقلا .

خامسا: الحكمة في العملية الرقابية:
وأيضا لا بد أن لا يكون القائم بالعملية الرقابية والمهام التفتيشية حكيما في تصرفاته، بأن يعالج المشاكل بالأيسر فالأيسر ويستعمل معهم سياسة " شعرة معاوية "، قال معاوية رضي الله عنه : لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا سوطي حيث يكفيني لساني ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قالوا: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : كنت إذا أرخوها مددتها وإذا مدُّوها جررتها .
سادسا: الرقابة على الحسنات قبل المخالفات:
وليس من العدل أن تكون الرقابة والجولات التفتيشية منصبة على البحث عن أوجه الخلل، بل هي عملية للنظر في سير العمل، فإن وجد المراقب موظفا أو عاملا يستحق التقدير فلا يغفل ذلك، وإلا فسيكون قدوم المراقب أمرا ثقيلا على جميع العاملين. وعليه أن يعجل مكافأة المحسن، فقد ذكرت بعض كتب التراث قول بعض الحكماء : لا تغفل مكافأة من يعتقد لك الوفاء ويناضل عنك الأعداء فمن حرمته مكافأة مثله زهد في معاودة فعله . وذكروا عن أحد ملوك الفرس الحكماء وهو أردشير أنه قال: على الملك أن يأخذ نفسه بثلاث :
• تعجيل مكافأة المحسن على إحسانه فإن في ذلك شحذ الضمائر على الطاعة،
• وتأجيل عقوبة العاصي على عصيانه، فإن في ذلك إمكان العفو والإقالة ومراجعة التوبة والندامة ،
• والأناة عند طوارق الدهر وحدثانه ، فإن في ذلك انفساح مذاهب الرأي والسياسة وإيضاح غوامض السداد والإصابة .
وتأجيل عقوبة العاصي بأن لا يعاقب إلا بعد التوجيه الشفهي ثم الإنذار الكتابي، ثم العقوبة. وبعض الأخطاء الكبيرة أو الحساسة تستلزم أن يعاقب المتسبب فيها دون إنذار، والمسألة تقديرية.

الرقابة الإدارية في القانون الإداري الحديث:
يسمى هذا النوع من الرقابة التي سبق ذكر نماذج منها في علم الإدارة الحديث بالرقابة الإدارية، وهي الرقابة التي يمارسها الجهاز الإداري للدولة على نفسه، سواء كانت الرقابة داخل المنظمة الإدارية أو من السلطة المركزية. إذن فهي نوعان:
• رقابة داخلية، وهي التي يمارسها رئيس المنظمة الإدارية أو مديرها على موظفيه.
• رقابة خارجية، وهي التي تمارس من السلطة الإدارية المركزية، ويطلق عليها البعض بالوصاية الإدارية .
كما تعرف الرقابة الإدارية بأنها تلك الرقابة التي تقوم بها السلطة بواسطة أحد الأجهزة الإدارية، سواء أكانت من نفس الجهاز أو من جهاز خارجي كديوان الرقابة العامة في المملكة العربية السعودية .



Admin
Admin
رئيس الجمعية

المساهمات : 249
تاريخ التسجيل : 10/01/2013

http://ascjtiss38.forumalgerie.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى